السعيد شنوقة
257
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
وحين شرح معنى تعلق اسم الله بالقراءة من قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : 1 ] أسس - فيما نرى - لأفكار المعتزلة من طريق النحو من خلال علاقة أجزاء الكلم بعضها ببعض في ضوء الشاهد الذي اعتمده في أن تعلّق اسم الله بالقراءة كتعلق القلم بالكتابة في جملة ( كتبت بالقلم ) ويمكن أن نفهم ميله الاعتزالي من خلال أن الباء هاهنا حرف جرّ دال على معنى الاستعانة متعلق مع مجروره بما سبقه ( كتبت ) ؛ فالقلم حسب المعنى أداة استعين بها لكن فاعل الكتابة هو ضمير الرفع المتحرك العائد على المتكلم - صحيح أنه لم يقل في الباء غير ما ذهب إليه كل النحاة واللغويين - ولكننا نعتقد من هذا فيما يظهر أنه تمثيل يصب في أحد أصول الاعتزال وهو ما يؤكده قوله اللاحق : « أن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يجيء معتدّا به في الشرع واقعا على السنة حتى يصدّر بذكر الله » فهو قياس يتضمن خلفية مذهبه الذي يقرّ فيه قدرة العبد على إيجاد الفعل ومن أنه ليس لذكر اسم الله تعالى في مستهل الفعل إلا الاعتبار في شرعية الفعل لا في وجوده . وقد ذكر القرطبي ( ت 671 ه ) ما ذهب إليه العلماء في أن ( باسم الله ) فيها رد على القدرية وغيرهم ممن يقول : إن أفعالهم مقدورة لهم وموضع الاحتجاج عليهم من ذلك أن الله تعالى أمرنا عند الابتداء بكل فعل أن نفتتح بذلك ؛ فمعنى ( باسم الله ) أي ( بالله ) ومعنى ( بالله ) أي بخلقه وتقديره يوصل إلى ما يوصل إليه . ورأى بعضهم أن معنى قوله ( باسم الله ) معناه بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته وهو تعليم الله تعالى عباده ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها ليكون الافتتاح ببركته « 1 » . وبعد أن ذكر معنى الحمد في قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ [ الفاتحة ] وإعرابه وما يتعلق بهما ، شرع في تحديد معنى اللام الداخلة عليه فبيّنه بطريق السؤال والجواب منجذبا إلى اختيار دلالته على الجنس لا على الاستغراق وهو اختيار مبني على خلق الأفعال على طريقة المعتزلة قائلا : « فإن قلت : ما معنى التعريف فيه . قلت : هو نحو التعريف في أرسلها العراك . هو تعريف الجنس ، ومعناه الإشارة إلى ما
--> ( 1 ) انظر ابن خالويه ( أبو عبد الله الحسين بن أحمد ، ت 370 ه ) ، إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم ، ص ، 25 وكذا تفسير القرطبي ( الجامع لأحكام القرآن ) ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت 1965 م ، ج 1 ، ص 98 .